صديق الحسيني القنوجي البخاري
89
فتح البيان في مقاصد القرآن
أن يعطي ماله من شاء بخلاف روح الحيوان فإنه ليس بمملوك للإنسان حتى يعطيه لأحد غير اللّه ، وإنما وجب الأجر في انفاق المال لأن المال شيء ينتفع به في الحال . ولما كان الموتى لا ينتفعون بعين المال جعل طريق إيصال النفع إليهم أن تجعل الأموال المعطاة لأهل الاستحقاق لهم فيعود ثوابها إليهم ، وأما روح الحيوان فلا يصلح للانتفاع في حياة الإنسان فكيف بعد مماته ومضي الأزمان . وأما الأضحية عن الميت التي ورد بها الحديث فمعناها أن الأجر الذي كاد يثبت في ازهاق الروح للّه سبحانه وتعالى يعطى لذلك الميت لا أنه يذبح لأجله ويرفع به الصوت للتقرب إليه . وهذه الآية الكريمة جاءت في أربعة مواضع من التنزيل ومعناها ما رفع به الصوت لغير اللّه لا ما ذبح باسم غير اللّه ، فمن رفع الصوت بحيوان لغيره تعالى ثم ذكر اسم اللّه عند ذبحه لا ينجع له هذا الذكر شيئا ولا يأتي بفائدة ولا يعود بعائدة ولا يحل أكله بهذا الذكر عند الذبح . وإنما الإهلال في لغة العرب بمعنى رفع الصوت لا بمعنى الذبح . كيف ولم يرد به عرف ولا وقع في شعر قط ، هذه كتب اللسان العربي ودفاتر اللغات على وجه البسيطة ليس في أحد منها الإهلال بمعنى الذبح ، وإنما يقال الإهلال لرؤية الهلال ولبكاء الطفل وللتلبية بالحج لا للذبح ، فليس معنى أهللت للّه ذبحت له ، في القاموس استهل الصبي رفع صوته بالبكاء كأهلّ وكذا كل متكلم رفع صوته أو خفض ، وأهلّ نظر إلى الهلال والملبي رفع صوته بالتلبية . وقال الجوهري : استهل الصبي أي صاح عند الولادة وأهلّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية وأهلّ بالتسمية على الذبيحة ، وقوله تعالى وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي نودي عليه بغير اسم اللّه ، وأصله رفع الصوت انتهى . ولو سلم أن معناه ذبح لغير اللّه فأين هذا من معنى ذبح باسم غير اللّه حتى تنتهض به الحجة ، فالقول بأن الإهلال في هذه الآية ونظائرها بمعنى الذبح وغير اللّه بمعنى اسم غير اللّه يقرب بتحريف كلامه سبحانه وتعالى حاشاه عن ذلك . وقد حكى النظام النيسابوري في تفسيره إجماع أهل العلم على أن ذبيحة المسلم التي قصد بذبحها التقرب إلى غير اللّه ذبيحة مرتد ، وقد صار هو مرتدا أيضا وكان الكفار في الجاهلية إذا خرجوا من ديارهم رفعوا الأصوات بأسماء الأصنام في الطرق والشوارع وإذا وصلوا إلى مكة المكرمة طافوا الكعبة مع أن طوافهم هذا لم يكن يقبل عند اللّه ولهذا نزل قوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] . فكذلك فيما نحن فيه إذا رفع أحد الصوت بحيوان أنه لفلان أو لأجله أو يذبح له ثم ذكر عليه اسم اللّه عند الذبح فههنا لا تترتب عليه الحليّة أصلا ، نعم أن يغير النية